أبي الفرج الأصفهاني

231

الأغاني

للواثق : جواريه حرائر ونساؤه طوالق ، لئن لم تستحلفه بحياتك وحقّ أبيك ، أن يصدق عما أسأله [ 1 ] عنه ، لأتوبنّ عن الغناء ما عشت ؛ فقال له الواثق : لا تعربد يا عليّ ، نحن نفعل ما سألت ؛ ثم حلَّف إسحاق أن يصدق فحلف ؛ فقال له : من أحسن الناس اليوم صنعة بعدك ؟ قال : أنت . قال : فمن أضرب الناس بعد ثقيف ؟ قال : أنت . قال فمن أطيب الناس صوتا بعد مخارق ؟ قال : أنت . قال علَّويه لإسحاق : أهذا / قولك فيّ وأنت تعلم أنّي مصلَّي [ 2 ] كلّ سابق فاضل ، وأنّي ثالث ثلاثة أنت أحدهم لم يكن في الدنيا مثلهم ولا يكون ! فما أنت وغناؤك الذي لا يسمع انخفاضا ! ؛ فغضب إسحاق ، وانتهر الواثق علَّويه . ثم أخذ إسحاق عودا فنقل مثناه إلى موضع البمّ [ 3 ] ، وزيره إلى موضع المثلث ، وجعل البمّ والمثلث مكان الزير والمثنى ، وضرب وقال : ليغنّ من شاء منكم ؛ فغنّى مخارق عليه : تقطَّع من ظلَّامة الوصل أجمع أخيرا على أن لم يكن يتقطَّع وضرب عليه إسحاق فلم يبن في الأوتار خلاف ولا فقد من الإيقاع شيء ولا بان فيه اختلال ؛ فعظم عجب الواثق من فعله ؛ وقام إسحاق فرقص طربا ، فكان واللَّه / أحسن رقصا من كبيش وعبد السلام - وكانا من أرقص الناس - فقال الواثق : لا يكمل أحد أبدا في صناعته كمثل كمال إسحاق . مدح لعبد اللَّه بن طاهر فيه : حدّثني الصّوليّ قال حدّثني عون بن محمد قال حدّثني إسحاق قال : دخلت على عبد اللَّه بن طاهر وهو يلاعب إبراهيم بن وهب بالشّطرنج ، فغلبه عبد اللَّه ، وأومأ إليّ بأن أكايده ؛ فقلت : قد ذهبت منك أبا إسحاق مثل ذهاب الشهر بالمحاق [ 4 ] فقال لي عبد اللَّه : إنّ فضائلك يا أبا محمد لتتكاثر عندنا ، كما قال الشاعر في إبله : إذا أتاها طالب يستامها تكاثرت في عينه كرامها صنع لحنا في بيتين وغناه الواثق فاستعاده حتى أخذه وأجازه : أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال ذكر عليّ بن الحسن بن عبد الأعلى عن إسحاق قال : أنشدتني أمّ محمد الأعرابية لنفسها هذين البيتين وأنا حاجّ ، فاستحسنتهما ، وصنعت فيهما لحنا غنّيته الواثق ؛ فاستعاده حتى أخذه ، وأمر لي بثلاثين ألف درهم ؛ وهما : عسى اللَّه يا ظمياء أن يعكس الهوى فتلقين ما قد كنت منك لقيت ثراء فتحتاجي إليّ فتعلمي بأنّ به أجزيك حين غنيت

--> [ 1 ] كذا في « مختار الأغاني » . وفي الأصول : « تسأله » . [ 2 ] المصلى : التالي للسابق من خيل السباق . والسابق : الأوّل . [ 3 ] البم : الوتر الغليظ من أوتار المزاهر . وقد جاء في مقدّمة الجزء الأول من « الأغاني » من هذه الطبعة كل ما يتعلق بآلات العود وأسمائها ، فارجع إليه . [ 4 ] المحاق ( بالضم والكسر ) : آخر الشهر إذا امحق الهلال فلم ير .